cover

تقرير: المقارنات الدولية للدراسات العليا: الجودة.. فرص الوصول.. مخرجات التوظيف - الريادة الأكاديمية

 

 جاء هذا التقرير بعد دراسة استمرت اثني عشر شهراً، حول الدراسات العليا التدريسية (PGT) والبحثية (PGR)، في ثماني دول تعدُّ من الدول الأكثر وجهة لطلبة الدراسات العليا، حيث هدف إلى تحديد كيفية الحفاظ على جودة التعليم العالي في العالم، وإلى استكشاف كيفية استمرار التعليم العالي في النمو والتوسع؛ لزيادة فرص الوصول إلى التعليم العالي ورفع مستوى التنافسية لمعدلات فرص الحصول على العمل، من دون التضحية في جودة التعليم والخبرة المكتسبة من الطلبة. وخلص إلى أن الأوضاع متشابهة في هذه الدول الثمانية، إضافة إلى وجود بعض الاختلافات في التجاوب، مع الظروف التي تم تصميمها بناء على الثقافة التعليمية الفردية والظروف الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول. 

صدر هذا التقرير عن مجلس تمويل التعليم العالي في إنجلترا (HEFCE)، بهدف وضع تصور حول مجال تعدد برامج الدراسات العليا، المتمثلة بدرجات الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه، بعد دراسة تمت حول مقارنة التعليم العالي في أستراليا وإنجلترا وألمانيا والهند والنرويج وأسكتلندا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث ركز هذا التقرير على برامج هذه الدراسات بفروعها التدريسية (PGT) والبحثية (PGR)، وتم جمع البيانات وتحليلها عن طريق استطلاعات الرأي ومقابلات مع المسؤولين المتخصصين لكل دولة. وشدد على ثلاثة محاور شاملة، تمثلت بجودة التعليم العالي وفرص الوصول إليه ومخرجات التوظيف من خلاله، وتضمنت مقارنات بين إنجلترا والدول الأخرى في سبيل تحديد مواطن القوة والتحديات لمختلف أنظمة التعليم العالي. وأشار إلى التحديات غير المسبوقة التي يواجهها التعليم العالي في العالم أجمع، المتمثلة بالتوسع والتحول من النخبة إلى أنظمة الإعلام وقضايا التمويل المرافقة لذلك، مثل الحاجة إلى ضمان جودة التعلم العالي وسمعته في السوق التنافسية العالمية، وقضية كيفية توسيع رقعة الوصول إلى التعليم العالي ومعرفة القوى البشرية المحتملة، وكذلك كيفية تحقيق التوازن بين الجودة وفرص الوصول إلى التعليم العالي بموازنة الضغوط، والطلب على فرص التوظيف مع الالتزام بالتعليم كسلعة متوفرة للجميع، والتنوع المتزايد لكل من الطلبة وبرامج الدراسات العليا. وقد بين التقرير أن الدول الثمانية في الدراسة قد واجهت معظم هذه التحديات، على الرغم من تعدد الطرق في تحديد هذه القضايا ومواجهتها، متأثرة في التاريخ والتقاليد والظروف الاقتصادية لهذه الدول المختلفة.

كما نوَّه التقرير بأن عملية بولونيا (Bologna Process) والمبادرات التابعة لها في أوروبا، قد أعادت تشكيل نطاق التعليم العالي، حيث أدت هذه العملية إلى إيجاد التعليم العالي في المنطقة الأوروبية، وإلى تطوير أطر العمل وأنظمة الاعتماد المشتركة لضمان الجودة. كما كان للضغوط التي ولدتها عملية بولونيا لضمان الجودة الأثر الأكبر في الدول الأوروبية كافة، وكان تأثير عملية بولونيا في التطور الأوروبي واسع النطاق واضحاً على الدول الأوروبية في هذه الدراسة، المتمثلة بألمانيا والنرويج وإسبانيا والتي استغلت كافة الفرص في إعادة الهيكلة المقدمة من عملية بولونيا؛ لإصلاح أنظمة التعليم العالي فيها والتركيز بشكل خاص على الجودة.

وقد بين التقرير أن جميع الدول تعطي أولوية قصوى للجودة، نتيجة الضغوط الناجمة عن العولمة والتنافس المحلي والدولي وتنقل الطلبة المتزايد، الأمر الذي يتجلى بطرق مختلفة في هذه الدول، مع أنه من الواضح بأن التصنيفات الدولية لها دور مهم، يؤدي إلى التباين المتزايد بين الجامعات داخليًّا وخارجيًّا. وأشير إلى أن ألمانيا والنرويج قد عملتا على إنشاء مبادرات تميّز التنافسية، وعلى توفير تمويل إضافي للجامعات لتلبية بعض معايير التميز، مع الرغبة في إيجاد عدد قليل من جامعات النخبة القادرة على المنافسة في التصنيفات العالمية. كما تباينت طرق مراقبة هذه الدول في الجودة، حيث امتلكت إنجلترا نظاماً واضحاً مُداراً من قبل هيئة ضمان الجودة للتعليم العالي (Quality Assurance Agency for Higher Education QAA)، ومراقباً من قبل مجلس تمويل التعليم العالي في إنجلترا (HEFCE)، والذي أدى دوراً رائداً في عملية تطوير أطر عمل أوروبية مشتركة لضمان الجودة، من خلال الجمعية الأوروبية لضمان الجودة في التعليم العالي. أما ألمانيا والنرويج وإسبانيا فقد طورت كل منها أنظمة ضمان جودة متوافقة مع الجمعية الأوروبية لضمان الجودة في التعليم العالي، كما أن التعليم العالي في ست دول يقع ضمن أطر المؤهلات الوطنية والدولية، وفي الهند والولايات المتحدة فإن المؤهلات تتضح من خلال خريجي درجة الماجستير، الذين يلتحقون ببرامج الدكتوراه في الدول الأخرى، وخريجي درجة الدكتوراه الذين يحصلون على وظيفة بعد التخرج، وخريجي الدراسات العليا في البلد نفسها الذين يحصلون على التنقل الوظيفي الدولي، وعلى الرغم من استغلال الساعات الدراسية في معظم الدول لدرجة الماجستير، إلا أن أطر الساعات الدراسية متباينة، حيث إن النظام الأوروبي لتحويل وترصيد الساعات الدراسية يقدم نظام ساعات دراسية يعمل على تسهيل عملية تنقل الطلبة، بينما تمتلك الولايات المتحدة وإنجلترا والهند أنظمة ساعات دراسية خاصة بها معتمدة على عملية تنقل الطلبة.

كما بين التقرير الاهتمام بالفترة الزمنية المحددة للحصول على درجة الدكتوراه في الدول كافة، حيث إن معظم الدول تعمل على معالجة ذلك، عن طريق توفير هيكلية أقوى للبرامج الدراسية وضمان متطلبات قبول صارمة، وعلى الرغم من تباين هيكلية مدة الدراسة لدرجة الماجستير بين الدول، إلا أن معظم الدول تتبنى برامج منظمة لدرجة الدكتوراه بشكل أكبر في السنة الدراسية الأولى، بما فيها تشكيل كليات الدراسات العليا للدكتوراه وبرامج منظمة موضوعيًّا، مثل مراكز المملكة المتحدة لتدريب طلبة درجة الدكتوراه والتي تعدُّ ممارسات جيدة في هذا المجال. وقد أظهرت جميع الدول في الدراسة قلقاً بخصوص معايير القبول وجودة تحصيل الطلبة لأي مؤهل، وعلى هذا تعمل هذه الدول لضمان أن النمو في أعداد طلبة الدراسات العليا، ليس على حساب جودة الطلبة المقبولين في برامج الدراسات العليا.

وقد وضح التقرير في المحور الثاني المتمثل بفرص الحصول على التعليم العالي، أنه على الرغم من قضايا تمويل التعليم العالي التي هي خارج نطاق الدراسة، إلا أن التساؤل حول كيفية هذا التمويل المتنامي وبشكل خاص حول كيفية ضمان فرص الحصول على التعليم العالي، كان من أهم ما تركزت عليه الدراسة التاريخية والمقابلات، حيث كان هناك انخفاض ثابت في نسبة التمويل الحكومي للتعليم العالي في الدول كافة، ما عدا الهند والنرويج مع الاعتماد بشكل أكبر على مصادر التمويل، مثل تحويل ضغط الرسوم الدراسية إلى الطلبة. أما الهند والنرويج فقد عملتا على إبقاء الدعم والتمويل المالي لأسباب مختلفة، كما عملت الهند على زيادة الدعم الحكومي للتعليم العالي بالتزامن مع النمو في مؤسسات التعليم العالي الخاصة. وكذلك أظهرت جميع دول الدراسة التزاماً يضمن الحصول على التعليم العالي للطلبة القادرين والمؤهلين بشكل مناسب لتحقيق النجاح، الأمر الذي أدى إلى التساؤل حول كيفية إزالة العوائق وخصوصاً العقبات المالية، حيث يعدُّ الالتزام بالتعليم المرن والتعليم مدى الحياة أحد أشكال الحصول على التعليم العالي، الذي يكمن في رفع قيمة استخدام الساعات الدراسية. أما في بعض الدول مثل أستراليا والهند فإن الالتزام بتوسيع رقعة المشاركة في التعليم العالي، يمتد لتبني متطلبات قبول للمتقدمين من المجموعات الأقل حظًّا والأقل تمثيلاً.

وقد أشار التقرير بخصوص المحور الثالث المتمثل بمخرجات التعليم العالي لفرص التوظيف، إلى العوامل المختلفة التي أسهمت بالزيادة الكبيرة في أعداد طلبة التعليم العالي، بما فيها الاعتراف بالفوائد العائدة من خريجي الدراسات العليا، حيث بينت النتائج أن معظم خريجي برامج الماجستير والدكتوراه في معظم الدول، يحصلون على مكاسب أكبر بكثير من خريجي الدرجة الجامعية الأولى، ومع ذلك فإن الزيادة في أعداد الطلبة وعدم استقرار الظروف الاقتصادية، قد بينت أن خريجي الدراسات العليا يتم توظيفهم من خلال عدة سياقات مختلفة، وقد لا يستغل بعضهم المستوى العالي لمهاراتهم وتنافسيتهم. وأكدت النتائج انخفاض نسبة خريجي درجة الدكتوراه، الذين يعملون في المجال الأكاديمي في معظم الدول؛ وهذا ما أدى إلى وجود مخاوف في بعض الدول بخصوص توفير جيل المستقبل من الباحثين والعلماء. كما أظهرت النتائج أن جميع الدول في الدراسة قد واجهت مخاوف وتحديات متشابهة، نتيجة العولمة في التعليم العالي خلال القرن الحادي والعشرين، وكانت هناك مؤثرات ثقافية وسياسية وجغرافية واضحة أثرت في كل دولة وبينت التعقيدات حول التعليم العالي، وأظهرت بأنه ليس من الضروري إمكانية نقل بعض المبادرات أو السياسات، التي تعمل بشكل ناجح في نطاق معين إلى نطاق آخر.

وقد خلص التقرير إلى مواطن القوة والتحديات التي واجهتها كل دولة، والتي بينت تعقيدات أنظمة التعليم العالي المختلفة في كل دولة، ونتيجة للاختلافات الجزئية بين الأنظمة الوطنية المختلفة أشار إلى عدم وجود حل بسيط لبعض التحديات المشتركة، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فقد بين أن الدول كافة تسعى إلى تطبيق بعض المبادرات لحل بعض القضايا العاجلة المهمة، بما فيها التغييرات اللازمة لاستدامة التعليم العالي، مثل قيام بعض الدول بتطبيق سياسات دعم الابتكار أو عملية إعادة هيكلة بعض البرامج الدراسية، وبعضها يركز على زيادة معدلات انخراط الطلبة بالدراسات العليا.

وركز التقرير على ضرورة حاجة جميع دول الدراسة إلى تحديد مدى استدامة التوسع المستمر لنظام التعليم العالي، وإلى تحديد وتوضيح فوائد مؤهلات التعليم العالي على المستويات كافة، وأشار إلى التساؤل الناشئ عن الدراسة التي تمت سابقاً تحت عنوان (ما الأعداد اللازمة من خريجي درجة الماجستير والدكتوراه لكل دولة؟ ومن يجب أن يمول التعليم العالي؟)، حيث كان هناك نقاش حول المستفيدين من التعليم العالي في الدول كافة، أدى هذا النقاش إلى التحول الكبير في عملية موازنة الدعم المالي من الحكومة إلى الأشخاص، كما أن التركيز في الآونة الأخيرة على قابلية التوظيف يجب أن يكون متوازناً، مع الالتزام بالفوائد الكبيرة للتعليم العالي على المستويات كافة. 

ونوَّه التقرير إلى المجالات العديدة التي يجب البحث فيها كونه لم يتم التمكن من تغطية بعض المجالات والقضايا التي برزت خلال فترة الدراسة، وتم ذكرها فقط في التقرير من دون أي تحليل أو دراسة، وأن نمطية الوصول العادل للتعليم العالي قد تتطلب المزيد من الاستكشاف والدراسة؛ نظراً إلى تعقيداتها وطبيعتها المتغيرة، حيث بيّن هذه المجالات التي قد تفيد عند دراستها، مثل التساؤل: هل فرص الوصول إلى التعليم العالي محددة بشكل رئيس بالتمويل أم متأثرة بهوية الطالب وعوامل أخرى؟ إذ لم يُتح خلال الدراسة إجراء مقابلات مع الطلبة حول هذه القضية، ولم يتمكن من دراسة أثر التدريب البحثي المنظم متوسط وبعيد المدى في مخرجات التعليم العالي والدراسات العليا لكل دفعة من الخريجين، ودراسة التعقيدات الإدارية والتدريب والتنوع في ممارسات التقييم لدرجة الدكتوراه المختلفة من دولة إلى أخرى، وكذلك لم يتم تحديد الاختلافات الممكنة في معدلات التخرج للطلبة المدعومين ماليًّا وغير المدعومين في مختلف التخصصات.

وأخيراً أوضح التقرير القضايا والتحديات الكبيرة، التي تواجهها الدول في الدراسة ومدى تشابهها واختلافها من دولة إلى أخرى، نتيجة الاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين الدول، رغم وجود بعض القضايا والتحديات المشتركة مع اختلاف تبيان طرق التعامل معها من دولة إلى أخرى، كالسياسات والمبادرات المطبقة والمتبعة في دول الدراسة حسب طبيعة الوضع في تلك الدول.■

 

المصدر: مجلة الراصد الدولي العدد49

 

عن الكاتب

%d مدونون معجبون بهذه: